لماذا تصر أمريكا على معاقبة المانيا ....دويتشه بنك على حافة الافلاس



يبدو من خلال تفاعلات القرار الأمريكي بتغريم بنك دويتشه الألماني مبلغ 14 مليار دولار أن الأمور لا تسير في طريق التهدئة خصوصا أن الحكومة الأمريكي إتهمت البنك بالقيام بتجاوزات فيما يتعلق ببيع سندات الرهن العقاري (Subprime Mortgages) حيث كانت أحد الأدوات المالية الرئيسية التي تسببت بأزمة 2007\2008. الغرامة التي فرضتها الحكومة الأمريكية على البنك بالإضافة إلى غرامة أخرى بقيمة 22 مليار دولار بتهمة التلاعب بمؤشر ليبور(LIBOR) سعر الفائدة بين البنوك وإتجاه الحكومة الألمانية بإنقاذ البنك من متاعبه قد ضاعف من أزمة الثقة التي يعاني منها البنك.

وحتى نتعرف على حجم المشكلة التي يواجهها ليس الإقتصاد الألماني بل العالمي هو أن حجم أصول البنك تبلغ أكثر من 2 تريليون دولار مما يعني نصف حجم الإقتصاد الألماني تقريبا. حتى صندوق النقد الدولي حذر من خطر تعرض البنك لأي أزمة نظرا لأهمية البنك وحجم السيولة التي يمتلكها.
سندات الرهن العقاري (Subprime Mortgages) والتي من المفترض أنها إستثمارات أمنة عبر مايعرف (Collateral Damage Obligation) و (Credit Default Swap) كانت هي السبب الرئيسي في الأزمة الإقتصادية سنة 2007 وهي نتيجة نظريات إقتصادية أمريكية. المصارف الأمريكية تصدرت قائمة المتلاعبين حيث تم إنقاذها من أموال دافع الضرائب الأمريكي على الرغم من تعمدها المخاطرة بأموال المساهمين والمودعين ولم يتم سجن مدير بنك واحد. بل إن بعضهم قام برفع دعاوي قضائية على وزارة الخزانة والحكومة في الولايات المتحدة للمطالبة بما يزعمون مستحقات مالية متبقية لهم بذمة الجهات الحكومية الأمريكية.
يعني العملية من أولها لأخرها ليست إلا عبارة عن عملية إحتيال قادها كبار المصارف ومؤسسات الإقراض الأمريكية كليمان برثرز(Lehman Brothers) و جي بي مورجان(JP Morgan) وأ أي جي(AIG) وذالك بإستخدام أدوات مالية مسمومة مشكوك فيها بمساعدة وكالات التصنيف الإئتماني خصوصا شركة ستانداردز و بورز(S & P) وموديز(Moody’s) والتي هي أمريكية الهوية والمنشأ وكان دورها منح تقييم منخفض المخاطرة لتلك الأوراق المالية على عكس الواقع. كما أن بعض تلك البنوك قاموا ببيع زبائنهم أوراق مالية تتكون بشكل رئيسي من سندات الرهن العقاري على أنها منخفضة المخاطرة بينما هي في الواقع على العكس تماما, ثم ليقوموا لاحقا وعبر أذرع إستثمارية تابعة لهم بالمضاربة عليها وتحقيق أرباح خيالية بطريقة مزدوجة.
ومن يعرف أو على إطلاع بما خفي من عالم السياسة وعالم المال والمصارف في وول ستريت يعلم أن العملية من أولها لأخرها تمت إدارتها من قبل مصارف وشركات مالية وإستثمارية أمريكية ولم يكن بنك دويتشه الألماني سوى أحد المستثمرين الذين قاموا ببيع وشراء تلك الأوراق المالية ضمن الأنظمة القانونية التي حددتها الجهات المختصة في الولايات المتحدة والتي لم تكتشف إلا بعد ثمانية سنين أن البنك الأكبر في ألمانيا إرتكب أخطاء في عمليات بيع سندات الرهن العقاري.
إن إلغاء قانون جلاس-ستيجال سنة 1999 من قبل الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون كان بداية ظهور أزمات من نوع مختلف لم يعهدها العالم من قبل من حيث الحجم فخسائر أزمة 2007\2008 بلغت في الولايات المتحدة وحدها أكثر من 2 تريليون دولار والبعض وصلت تقديراته لمبلغ 3 تريليون كما أن العالم مازال يعاني حتى الأن من أثار تلك الأزمة خصوصا الكساد الإقتصادي وتراجع حجم التجارة العالمية. القانون الذي تم إقراره من قبل الرئيس الأمريكي السابق فرانكلين روزفلت سنة 1933 لمعالجة أزمة 1929 أو ماعرف بالإثنين الأسود – إنهيار أسواق المال بداية في وول ستريت والتي شملت لاحقا العالم كله حيث تم فصل البنوك الإستثمارية عن التجارية ومنع الأولى من المخاطرة بأموال المودعين.
ولكن قد يتسائل بعضهم عن السبب في إستهداف بنك ألماني وليس فرنسي أو بريطاني أو أمريكي خصوصا أن البنوك البريطانية كانت متورطة في تلك العمليات المشبوهة بينما البنوك الأمريكية قامت بمنح مدرائها الفاشلين حوافز ومكافئات ضخمة من أموال حزمة الإنقاذ التي أقرها الكونجرس بناء على توصية الرئيس باراك أوباما. المثير للدهشة أن بعض البنوك قد قامت بترقية بعض مدراء الأقسام ممن تسببوا بخسارة مؤسساتهم مئات الملايين من الدولارات وإستقال بعضهم الأخر بعد حصوله على مكافئات مغرية ليعمل في مؤسسات مالية أخرى.
ألمانيا تعد أقوى إقتصاد أوروبي وبلا منازع سيدة القارة الأوروبية كما أنها في الفترة التي سبقت إقرار العملة الأوروبية الموحدة(اليورو) فقد حققت معجزة إقتصادية بكل ماتحمله الكلمة من معنى حيث أن سعر صرف المارك الألماني كان مرتفعا مقارنة حتى بالدولار الأمريكي والجنيه الإسترليني. على الرغم من سعر صرف عملتها المرتفع فقد كانت قوة تصديرية(Export Power House) ووجهة سياحية رئيسية وقبلة للطلاب الدوليين لما تتمتع به جامعاتها من مستوى تعليمي مرتفع.
إن ذالك الطريق الذي توجهت نحوه ألمانيا لم يكن وليد صدفة حيث أن النقاشات كانت محتدمة منذ زمن ماقبل الحرب العالمية الثانية خصوصا في ألمانيا-هتلر حول الطريقة التي يتوجب إتباعها لتحقيق السيطرة على أوروبا كمرحلة أولى ولاحقا السيطرة على العالم. كان هناك إقتراحان تم وضعهما على طاولة البحث. الإقتراح الأول كان عملية سيطرة إقتصادية بينما الإقتراح الثاني كان عملية سيطرة عسكرية وإحتلال عسكري مباشر. الصقور في طاقم عمل هتلر فازوا بالخيار الثاني في تناغم غريب مع المجتمع المالي والسياسي الدولي الذي عمل على توفير التسهيلات لألمانيا لتتعافى إقتصاديا خصوصا التعويضات المترتبة عليها لدول الحلفاء بموجب معاهدة فرساي والتي بلغت 269 مليار مارك ألماني.
حتى أن النقاش كان محتدما في فترة الحرب العالمية الثانية ومع وضوح الرؤيا حول خسارة ألمانيا المؤكدة فالإقتصاديون يتعاونون والعسكريون يتحاربون. النقاش كان بين كبار الصناعيين الألمان ونظرائهم الأمريكيين على وجه الخصوص حول مستقبل ألمانيا في الفترة التي سوف تلي الحرب. المسؤولين الإقتصاديين الأمريكيين قاموا بتقديم كافة التسهيلات والتعاون لنظرائهم الألمان حيث كانوا هم أنفسهم مختلفين في وجهات النظر مع الفرنسيين والبريطانيين الذين كانت رغبتهم تتلخص في الإبقاء على ألمانيا مابعد الحرب العالمية الثانية كمجتمع زراعي وعدم السماح بنمو أو نهضة صناعية. العلاقة بين رجال الأعمال والصناعة الأمريكيين ونظرائهم الألمان كان معقدة ومتشابكة حيث أنه وعلى الرغم من إحتدام المعارك على كافة الجبهات فقد كان التبادل التجاري والمالي يسير كالمعتاد بعيدا عن حسابات السياسيين والعسكريين في كلا الطرفين. بل أن القوات الجوية للحلفاء تجنبت قصف مواقع لشركات ألمانية ومصانع بناء على طلب إقتصاديين ألمان من نظرائهم الأمريكيين للمحافظة على تلك المنشئات جاهزة للإستخدام بعد إنتهاء الحرب.

إن المشكلة التي يعاني منها بنك دويتشه الألماني تستهدف ألمانيا كبلد وليس المقصود بها البنك بذاته بسبب منافسة تجارية وإقتصادية. الأمر ليس سابقة فقد تم إستهداف ألمانيا من قبل من خلال رفع أسعار النفط إلى 400% خلال فترة الحظر النفطي 1974\1975 بسبب النجاح المذهل للإقتصاد الألماني وبدء تأثير ذالك على الولايات المتحدة نفسها خصوصا إختلال الميزان التجاري لصالح ألمانيا بما يرتب مسؤوليات على الولايات المتحدة بموجب إتفاقية بريتون-وودز. الهدف من ذالك هو التخفيف من ذالك الصعود الصاروخي للإقتصاد الألماني مع تراجع الإقتصاد في الولايات المتحدة بسبب زيادة الإنفاق على البرامج الإجتماعية وحرب فيتنام.
وحاليا فقد تم إستهداف ألمانيا بأكثر من مليون لاجئ في فترة زمنية قياسية ولعل ذالك قد يكون صدفة من وجهة نظر بعضهم ولكن الإقتصاد في ألمانيا يحقق حاليا فوائض سنوية تقدر بمبلغ 10 مليار يورو بل وحقق سنة 2015 أعلى فائض منذ توحيد ألمانيا بلغ 19.4 مليار يورو. إن تلك الفوائض الإيجابية في الميزانية سوف تذهب في سبيل إعالة أكثر من مليون عاطل عن العمل في ألمانيا ولإنقاذ اليونان من الإفلاس وبالتالي إنقاذ الإتحاد الأوروبي من الإنهيار.
إن مسلسل إبتزاز ألمانيا والعمل على إضعافها مستمر وإستهداف أكبر بنك ألماني ليس أول عملية إبتزاز ولن تكون أخرها. من الناحية النظرية فإن البنك يمكن من تسديد الغرامة لأنه يمتلك أصولا قابلة لتسييلها فورا تقدر بمبلغ 280 مليار دولا ولكن الأخبار والفضائح التي تلاحق البنك قد أدت إلى إنخفاض كبير في قيمة أسهمه بلغ أكثر من 50% وبلغت قيمة البنك في سوق الأسهم مايقارب 16 مليار دولار فقط.
الجميع ينتظر ردة فعل المستشارة الألمانية والحكومة خصوصا إن كانت سوف تمد يد المساعدة للبنك الذي نجا من أزمة سوق الرهون العقارية الأمريكية وتجنب الأسوأ حتى الأن من دون أي مساعدات حكومية على غرار حزمة التحفيز(Stimulus Package) التي إستفادت منها بنوك ومؤسسات مالية أمريكية.
فهل سوف يتحول إنهيار بنك دويتشه في ظل عدم تمكنه من الوفاء بإلتزاماته وإنعدام إمكانية التدخل الحكومي إلى كرة ثلج متدحرجة تجر معها الإقتصاد العالمي إلى الهاوية؟

0 comments:

2009@ سوالف عراقية

اشترك معنا في سوالف عراقية